حين تُكرَّم المرأة… تُكرَّم رحلة من الحكمة والأثر

حين تُكرَّم المرأة… تُكرَّم رحلة من الحكمة والأثر
بقلم الدكتورة ديمة عزيز بركات

في يوم السبت، الخامس عشر من آب/أغسطس، كان لي شرف المشاركة في ملتقى جائزة المرأة العربية الحكيمة الذي عُقد في سورية، في لقاءٍ جمع نخبة من النساء، واختزل في تفاصيله الكثير من المعاني التي تتجاوز حدود التكريم والاحتفاء.
لم يكن حضوري في هذا الملتقى مجرد مشاركة في فعالية، ولم يكن التكريم الذي حظيت به مجرد لحظة تُضاف إلى سجل الإنجازات؛ بل كان بالنسبة إليّ محطة للتأمل في معنى المرأة، ومعنى الحكمة، ومعنى أن يختار الإنسان أن يجعل من علمه وخبرته وتجربته وسيلة لصناعة أثر يتجاوز ذاته.
وقد كان حصولي على جائزة المرأة العربية الحكيمة لحظة أعتز بها وأقدّر معناها، لأنني أرى أن أجمل ما في التكريم ليس أن يُقال لنا إننا وصلنا، وإنما أن نتذكر أن كل إنجاز يحمل في داخله مسؤولية جديدة.
فحين يُكرَّم الإنسان، لا ينبغي أن يكون سؤاله فقط: ماذا حققت؟ بل الأهم أن يسأل نفسه: ماذا صنعت بما حققت؟ وماذا تركت خلفي؟ ومن استفاد من تجربتي؟

المرأة الحكيمة… قيادة تصنع المستقبل
في تقديري، الحكمة ليست حالة من الكمال، ولا امتلاكًا دائمًا للإجابات، وإنما هي قدرة على فهم الحياة بوعي، والتعامل مع تعقيداتها بنضج، وتحويل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار، والقرار إلى أثر.
المرأة الحكيمة هي التي تعرف أن القوة الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على فرض حضورها، بل بقدرتها على إدارة قوتها بوعي ومسؤولية؛ فتجمع بين الحزم والمرونة، وبين وضوح الرؤية وعمق الاستماع، وبين الطموح والالتزام، وبين الثقة بالنفس والتواضع أمام التعلم.
وهي المرأة التي تمنح تجاربها الصعبة معنىً يتجاوز الألم؛ فتتأمل ما مرّت به بوعي، وتستخلص منه ما يعزز نضجها، ويعمّق فهمها للحياة والإنسان، ويرتقي بقدرتها على اتخاذ القرار. لا تنكر ما عاشته، ولا تسمح له بأن يحدّ من رؤيتها، بل تحوّل التجربة إلى خبرة، والخبرة إلى وعي، والوعي إلى قوة متزنة، ثم تجعل من هذه القوة قيمةً تمتد إلى من حولها.
وفي القيادة، تظهر الحكمة حين تتجاوز المرأة سؤال: كيف أصل؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا سأصنع بعد أن أصل؟
فالنجاح، في جوهره، ليس موقعًا نصل إليه، ولا إنجازًا نحتفظ به لأنفسنا؛ بل مسؤولية تتسع كلما اتسعت قدرتنا على التأثير.
ولهذا لا ترى المرأة الحكيمة في نجاح امرأة أخرى تهديدًا لمكانتها، ولا تعدّ الفرص محدودة بحيث لا تتسع للجميع؛ بل تدرك أن تقدم امرأة يفتح الطريق أمام أخريات، وأن تمكين امرأة واحدة قد يغيّر مسار أسرة، ومؤسسة، ومجتمع.
ومن هنا، أؤمن أن أرقى أشكال القيادة النسائية لا تتمثل في أن تصل المرأة إلى القمة وحدها، وإنما في أن تحوّل موقعها إلى مساحة للتمكين، وخبرتها إلى معرفة متاحة، وعلاقاتها إلى فرص، ونجاحها إلى منصة تنطلق منها نساء أخريات.
فالمرأة التي تصل وحدها تحقق إنجازًا، أما المرأة التي تفتح الطريق أمام أخريات، وتمنحهن الثقة والمعرفة والفرصة، فهي تصنع أثرًا يتجاوز حدود تجربتها الشخصية، وتشارك في بناء قيادات جديدة، وفي صناعة مستقبل أكثر نضجًا واتساعًا.
وهنا أرى جوهر الحكمة: أن ندرك أن ما نملكه ليس ملكًا لنا وحدنا؛ فالمعرفة مسؤولية، والخبرة أمانة، والمكانة تكليف، والنجاح الحقيقي هو أن يتحول ما وصلنا إليه إلى قيمة تستمر بعدنا.
فالحكمة ليست أن نعرف الطريق فحسب، بل أن نجعل الطريق أوضح لمن يأتي بعدنا. وليست أن نصل أولًا، بل أن نترك خلفنا طريقًا أوسع، وفرصًا أكثر، وإنسانًا أقوى.
وهذه، بالنسبة إليّ، هي المرأة الحكيمة التي تصنع المستقبل.

خلف كل إنجاز حكاية
في لحظات التكريم، يرى الناس النتيجة، لكنهم لا يرون دائمًا الطريق الذي سبقها.
لا يرون سنوات العمل، ولا القرارات الصعبة، ولا لحظات الانتظار، ولا المحاولات التي لم تكتمل، ولا الأبواب التي أُغلقت، ولا المرات التي كان فيها الاستمرار أصعب من التراجع.
كل إنسان يحمل قصة لا يعرف تفاصيلها الآخرون.
ولهذا أصبحت أكثر إيمانًا بأن علينا ألا نحكم على تجارب الناس من ظاهرها، وأن نمنح بعضنا بعضًا مساحة من الرحمة والتفهم.
فوراء كل امرأة قوية قصة، ووراء كل إنجاز رحلة، ووراء كل وصول الكثير من التفاصيل التي لا تظهر في الصورة الأخيرة.
وربما تكون الحكمة الحقيقية أن نتعلم من رحلتنا دون أن نفقد إنسانيتنا في الطريق.

ماذا تعني لي هذه الجائزة؟
أشعر بالامتنان لهذا التكريم، لكنني أراه قبل كل شيء مسؤولية.
مسؤولية لأن أستمر في التعلم.
ومسؤولية لأن أشارك ما تعلمته.
ومسؤولية لأن أحافظ على القيم التي آمنت بها طوال مسيرتي.
ومسؤولية لأن أظل أؤمن بأن بناء الإنسان هو أحد أعظم أشكال الاستثمار في المستقبل.
لذلك لن أضع هذه الجائزة في خانة ما تحقق وانتهى، بل سأضعها في خانة ما يدفعني إلى الاستمرار.
فالجائزة قد تكون تكريمًا لمسيرة، لكنها في الوقت نفسه تذكير بأن المسيرة لم تنتهِ.

إلى كل امرأة
إلى كل امرأة عربية ما زالت تبحث عن مكانها، أو تنتظر فرصة، أو تشعر أن الطريق أطول مما تحتمل:
لا تجعلي تأخر النتائج يجعلك تشكين في قيمة الطريق.
قد تتأخر بعض الأشياء، وقد لا تأتي بعض الفرص في الوقت الذي نريده، وقد نواجه أشخاصًا لا يرون قيمتنا كما نراها نحن.
لكن قيمة الإنسان لا تحددها فرصة ضاعت، ولا باب أُغلق، ولا رأي عابر.
القيمة تُبنى مع الوقت؛ بالعلم، والعمل، والأخلاق، والصبر، والاستمرارية.
لا تنتظري أن يخبرك أحد بأنك قادرة.
اكتشفي قدرتك، وطوّريها، واستخدميها في المكان الذي تستطيعين فيه أن تصنعي فرقًا.
ولا تقيسي نجاحك بما حصلتِ عليه فقط، بل بما أصبح عليه الآخرون بسببك.

امتنان من القلب
أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى القائمين على ملتقى جائزة المرأة العربية الحكيمة، وإلى كل من أسهم في تنظيم هذه المناسبة التي منحت المرأة العربية مساحة للاحتفاء بتجاربها، وتبادل رؤاها، والالتقاء حول قيم تتجاوز الأشخاص والمناصب.
وأعتز بكل امرأة التقيتها في هذا الملتقى، وبكل قصة وتجربة وفكرة حملتها المشاركات.
فالمرأة حين تلتقي بالمرأة لا ينبغي أن تكون العلاقة بينهما علاقة منافسة، بل علاقة تكامل؛ لأن نجاح امرأة لا ينتقص من نجاح أخرى، وإنما يضيف إلى الصورة الأكبر.
أما أنا، فسأحمل هذا التكريم بامتنان كبير، وبمسؤولية أكبر.
وسأظل أؤمن بأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس عدد المناصب التي شغلها، ولا عدد الشهادات التي حصل عليها، ولا الجوائز التي نالها، وإنما عدد العقول التي ساعدها على أن تنضج، والقلوب التي منحها الأمل، والفرص التي صنعها للآخرين، والأثر الطيب الذي بقي بعده.
قد تُمنَح لنا الجوائز في يوم، لكن الحكمة تُبنى عبر سنوات.
وقد يُكتب اسمنا على شهادة، لكن الأثر الحقيقي يُكتب في حياة الآخرين.
ولهذا أستقبل هذا التكريم لا باعتباره محطة وصول، وإنما باعتباره تذكيرًا جميلًا بأن الطريق ما زال طويلًا، وأن أمامنا دائمًا ما نتعلمه، وما نقدمه، وما يمكن أن نصنعه.

فالحكمة ليست لقبًا نحمله، بل مسؤولية نعيشها.
والقيادة ليست موقعًا نصل إليه، بل أثرًا نتركه.
والنجاح الحقيقي ليس أن نصل وحدنا، بل أن نصل ونأخذ معنا آخرين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *