في اليوم الدولي لمحو الأميةمن الحق في المعرفة إلى القدرة على صناعة المستقبل

في اليوم الدولي لمحو الأمية
من الحق في المعرفة إلى القدرة على صناعة المستقبل

 

بقلم: الدكتورة ديمة عزيز بركات
رئيسة أكاديمية مدماك الدولية

 

في الثامن من أيلول/سبتمبر من كل عام، يأتي اليوم الدولي لمحو الأمية ليضع أمامنا قضية تتجاوز في جوهرها القدرة على القراءة والكتابة، وتمتد إلى أحد أعمق أسئلة التنمية الإنسانية: كيف نمنح الإنسان القدرة على المعرفة، والتعلّم، والمشاركة الفاعلة في بناء مستقبله؟

إن محو الأمية ليس مجرد هدف تعليمي يُقاس بعدد من أتقنوا القراءة والكتابة، بل هو مدخل أساسي إلى بناء الإنسان، وتعزيز قدرته على الفهم والمشاركة واتخاذ القرار. ومن هنا، فإنّ هذا اليوم يمثل مناسبة لإعادة التأكيد على أنّ المعرفة حق، والتعلّم أداة للتمكين، والإنسان المتعلّم أحد أهم مرتكزات التنمية المستدامة.

لقد قطع العالم أشواطًا مهمة في مواجهة الأمية بمفهومها التقليدي، إلا أنّ التحولات المتسارعة في المعرفة والتكنولوجيا وسوق العمل تفرض علينا أن نعيد النظر في مفهوم الأمية ذاته، وأن نسأل: هل تكفي مهارات القراءة والكتابة وحدها لكي يكون الإنسان قادرًا على التفاعل مع عالم شديد التعقيد والتغير؟

في القرن الحادي والعشرين، لم يعد السؤال مقتصرًا على:

هل يستطيع الإنسان أن يقرأ ويكتب؟

بل أصبح أكثر اتساعًا وعمقًا:

هل يستطيع أن يفهم ما يقرأ؟
هل يستطيع أن يتحقق من صحة ما يعرف؟
هل يستطيع أن يتعامل مع التكنولوجيا بوعي ومسؤولية؟
وهل يمتلك القدرة على تعلّم مهارات جديدة كلما تغيرت متطلبات الحياة والعمل؟

من هنا، تبدأ المرحلة الجديدة من مواجهة الأمية؛ مرحلة لا تكتفي بتعليم الإنسان أدوات المعرفة، بل تسعى إلى تمكينه من استخدام المعرفة وصناعة أثر من خلالها.

محو الأمية… قضية تتجاوز القراءة والكتابة

لا شك في أنّ إتقان القراءة والكتابة والحساب يشكّل الأساس الذي تقوم عليه عملية التعلّم، غير أنّ هذا الأساس أصبح اليوم جزءًا من منظومة أوسع من الكفاءات التي يحتاج إليها الإنسان ليكون فاعلًا في مجتمعه.

فالإنسان المعاصر يعيش في بيئة تتدفق فيها المعلومات بوتيرة غير مسبوقة، ويتعامل يوميًا مع مصادر متعددة ومتباينة للمعرفة. وفي مثل هذه البيئة، لا تكمن المشكلة دائمًا في ندرة المعلومات، بل في القدرة على الوصول إليها، وفهمها، وتحليلها، والتحقق من موثوقيتها، ثم توظيفها بصورة واعية ومسؤولة.

ومن هنا، فإنّ محو الأمية في مفهومه المعاصر يرتبط بتنمية منظومة متكاملة من القدرات، تشمل الثقافة الرقمية والمعلوماتية، والتفكير النقدي، والتواصل الفاعل، وحلّ المشكلات، والقدرة على التعلّم المستمر.

وبذلك، لم يعد محو الأمية مشروعًا لمعالجة نقص في مهارة أساسية فحسب، وإنما أصبح مشروعًا لبناء إنسان قادر على فهم عالم متغير، والتفاعل معه، والمساهمة في تشكيله.

من محو الأمية إلى التعلّم مدى الحياة

من أهم التحولات التي ينبغي أن تترسخ في الفكر التعليمي والتدريبي المعاصر أنّ التعلّم ليس مرحلة عمرية محددة، وإنّما مسار يمتد طوال الحياة.

فالمعرفة تتجدد، والتكنولوجيا تتطور، والمهن تتغير، والمهارات المطلوبة في سوق العمل تتبدل باستمرار. ولذلك، فإنّ الحصول على شهادة في مرحلة معينة من الحياة لا يمكن أن يكون ضمانًا دائمًا للقدرة على مواكبة المستقبل.

إنّ الإنسان يحتاج إلى أن يظل متعلّمًا، وأن يطوّر مهاراته، وأن يعيد تأهيل نفسه كلما اقتضت التحولات ذلك.

ومن هنا تبرز أهمية مفهوم التعلّم مدى الحياة بوصفه أحد المداخل الأساسية لبناء مجتمعات قادرة على التكيّف مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية.

فنحن لا نحتاج فقط إلى إنسان يعرف، وإنّما نحتاج إلى إنسان يعرف كيف يتعلّم، وكيف يعيد بناء معارفه، وكيف يطوّر أدواته كلما تغير العالم من حوله.

الأمية الرقمية… الوجه الجديد للتحدي

أحدثت الثورة الرقمية تحولًا عميقًا في طريقة وصول الإنسان إلى المعرفة والعمل والخدمات والتواصل، وأصبح امتلاك حد أدنى من المهارات الرقمية شرطًا أساسيًا للمشاركة في قطاعات واسعة من الحياة المعاصرة.

غير أن الأمية الرقمية لا تعني فقط عدم القدرة على استخدام جهاز إلكتروني أو تطبيق رقمي، بل قد تتمثل أيضًا في العجز عن تقييم المعلومات الرقمية، أو حماية البيانات الشخصية، أو التعامل الآمن مع المنصات الإلكترونية، أو إدراك المخاطر المرتبطة بالمحتوى الرقمي.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، يزداد هذا التحدي عمقًا وتعقيدًا؛ فالمطلوب لم يعد مجرد استخدام التكنولوجيا، وإنما فهمها، وتقييم مخرجاتها، واستخدامها بوعي ومسؤولية.

فالذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا واسعة أمام التعلّم والبحث والإنتاج، لكنه في الوقت ذاته يفرض الحاجة إلى مهارات جديدة، وإلى وعي أخلاقي ونقدي يحافظ على دور الإنسان في الفهم والحكم واتخاذ القرار، ولا يسمح بتحويله إلى مجرد مستهلك للمخرجات التقنية.

إنّ مواجهة الأمية الرقمية، في هذا السياق، ليست ترفًا تقنيًا، بل أصبحت جزءًا من بناء قدرة الإنسان على المشاركة الكاملة في الحياة المعاصرة.

حين تصبح المعرفة أداة للتمكين

إنّ القيمة الحقيقية للتعلّم لا تكمن في تراكم المعلومات، وإنما في قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في حياة الإنسان. فالمعرفة التي لا تتحول إلى فهم، والفهم الذي لا يرتقي إلى مهارة، والمهارة التي لا تنعكس على الأداء والحياة، تظل محدودة الأثر. ولهذا، ينبغي أن يكون التمكين غايةً أساسيةً من غايات التعليم والتدريب.

فالتمكين يعني أن يمتلك الإنسان القدرة على اتخاذ القرار، والعمل والإنتاج، وتطوير ذاته، والمشاركة الفاعلة في مجتمعه، ومواجهة التحديات بثقة وكفاءة.

ومن هذا المنظور، يصبح محو الأمية جزءًا من منظومة أوسع لبناء رأس المال البشري؛ منظومة لا تكتفي بتزويد الإنسان بالمعرفة، بل تعمل على تحويلها إلى قدرة ومهارة واستقلالية وفرصة.

وهنا يكمن الفارق بين تعليم يقدّم المعلومات، وتعليم يبني القدرة على استخدامها.

محو الأمية والتنمية المستدامة

ترتبط قضية محو الأمية ارتباطًا وثيقًا بالتنمية المستدامة، ولا سيما بالهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بضمان التعليم الجيد والمنصف والشامل وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة للجميع.

وهذا الارتباط يؤكد أنّ التعليم ليس قطاعًا منفصلًا عن التنمية، بل هو أحد محركاتها الأساسية، وأحد أهم الاستثمارات طويلة الأمد في الإنسان والمجتمع.

فالمجتمعات التي تستثمر في التعليم، وتوسّع فرص التعلّم، وتطوّر مهارات أفرادها، تكون أكثر قدرة على تعزيز الإنتاجية، وتوسيع المشاركة الاقتصادية، وتقليص الفجوات، والاستجابة للتحولات المتسارعة.

ولهذا، فإنّ مواجهة الأمية ينبغي أن تكون جزءًا من رؤية تنموية متكاملة، تبدأ بإتاحة التعليم الأساسي، ولا تتوقف عنده، بل تمتد إلى التدريب المهني، والتطوير المستمر، والمهارات الرقمية، والبحث والابتكار.

المرأة… حين تتحول المعرفة إلى قوة مجتمعية

لا يمكن الحديث عن محو الأمية والتنمية دون التوقف عند قضية تمكين المرأة؛ فإتاحة المعرفة للمرأة لا تعني توسيع فرصها الفردية فحسب، بل تعني أيضًا تعزيز قدرتها على المشاركة الاقتصادية والاجتماعية، واتخاذ القرار، والإسهام في بناء الأسرة والمجتمع.

والأثر الحقيقي لتعليم المرأة لا يتوقف عند حدودها الشخصية، بل يمتد إلى الأسرة والأجيال القادمة، لأنّ المعرفة حين تنتقل من فرد إلى آخر تتحول إلى قوة مجتمعية متنامية.

ولهذا، فإنّ دعم تعليم المرأة وتدريبها وتأهيلها المهني يمثل استثمارًا في الحاضر والمستقبل معًا.

فالمرأة التي تمتلك المعرفة والمهارة لا تحصل على فرصة أفضل لنفسها فحسب، وإنما تصبح أكثر قدرة على صناعة الفرص، وتوسيع دوائر المشاركة، والمساهمة في بناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة.

دور المؤسسات الأكاديمية والتدريبية في المرحلة القادمة

في ظل هذه التحولات، لم يعد دور المؤسسات الأكاديمية والتدريبية مقتصرًا على نقل المعرفة، بل أصبح عليها أن تسهم في بناء الكفاءات القادرة على توظيف المعرفة وتحويلها إلى قيمة وأثر.

وهنا تبرز أهمية تطوير نماذج تعليمية وتدريبية تضع المتعلّم والمتدرّب في مركز العملية، وتربط المعرفة بالتطبيق، وتنتقل به بصورة متدرجة من اكتساب الأساسيات إلى تطوير المهارات، ثم إلى التخصص والتمكين المهني.

إنّ جودة التدريب لا تُقاس بعدد البرامج أو الساعات التدريبية وحدها، وإنما بما يتركه من أثر حقيقي في كفاءة الفرد، وقدرته على الأداء، واستعداده للتطور والتكيّف مع المتغيرات.

ومن هذا المنطلق، فإن المؤسسات التي تنظر إلى التدريب باعتباره استثمارًا استراتيجيًا في الإنسان ستكون أكثر قدرة على الإسهام في بناء مجتمعات مرنة، وقادرة على مواجهة المستقبل، وأكثر استعدادًا لتحويل التحديات إلى فرص.

مسؤوليتنا ليست أن نعلّم فقط… بل أن نمكّن

من واقع العمل الأكاديمي والتدريبي، أؤمن أن أحد أكبر التحديات التي تواجه مؤسساتنا اليوم لا يكمن في نقص المعرفة وحده، وإنما في الفجوة بين المعرفة والقدرة على توظيفها.

ولهذا، فإن مسؤوليتنا لا تنتهي عندما يحصل المتعلّم أو المتدرب على معلومة أو شهادة، بل تبدأ عندما يصبح قادرًا على استخدام ما تعلّمه في حياته وعمله ومجتمعه.

نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة تنظر إلى التعلّم باعتباره رحلة مستمرة، وإلى التدريب باعتباره وسيلة لبناء الكفاءة، وإلى الشهادة باعتبارها توثيقًا لمرحلة من المسار، لا نهاية له.

فالشهادة قد توثّق ما تعلّمه الإنسان، لكن الكفاءة هي التي تكشف قدرته على توظيف ما تعلّمه، والاستمرار في تطويره.

وهذا، في جوهره، هو بناء الإنسان القادر على الاستمرار والتطور.

رسالتنا في اليوم الدولي لمحو الأمية

في هذا اليوم، لا ينبغي أن تقتصر رسالتنا على الاحتفال بما تحقق، بل يجب أن تكون دعوة صريحة إلى توسيع رؤيتنا للتعلّم، وإلى إعادة تعريف ما نعنيه بمحو الأمية في عالم يتغير كل يوم.

فمحو الأمية يبدأ بالقراءة والكتابة، لكنه لا ينبغي أن يتوقف عندهما.

ويبدأ بالمعرفة، لكنه يجب أن يصل إلى المهارة.

ويبدأ بالتعلّم، لكنه ينبغي أن يقود إلى التمكين.

ويبدأ بالفرد، لكن أثره يجب أن يمتد إلى المجتمع.

إن المستقبل لن يكون للأكثر امتلاكًا للمعلومات فحسب، وإنما للأكثر قدرة على التعلّم المستمر، والتفكير الواعي، والتكيّف مع التغيير، وتحويل المعرفة إلى قيمة وأثر.

ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي لا يكمن في الأدوات وحدها، ولا في التكنولوجيا وحدها، ولا حتى في المعرفة وحدها.

الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان.

فالإنسان الذي يمتلك القدرة على التعلّم يستطيع أن يفتح لنفسه أبوابًا جديدة كلما أُغلقت أمامه أبواب.

والإنسان الذي يمتلك المهارة يستطيع أن يحوّل الفرصة إلى إنجاز.

والإنسان الذي يمتلك الوعي يستطيع أن يختار، وأن يميّز، وأن يتحمل مسؤولية قراراته.

والإنسان الذي يجمع بين المعرفة والمهارة والقدرة على التعلّم المستمر، يستطيع أن يكون شريكًا حقيقيًا في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقٍّ لما يصنعه الآخرون.

وفي اليوم الدولي لمحو الأمية، تبقى رسالتنا الأعمق أن التعليم لا ينبغي أن يحرر الإنسان من الأمية فحسب، بل أن يحرره إلى المعرفة، والقدرة، والاستقلالية، والمشاركة، وصناعة الأثر.

فمحو الأمية ليس نهاية الطريق، وإنما هو بدايته.

والتعلم ليس محطة نصل إليها، بل رحلة تتجدد ما دام الإنسان قادرًا على السؤال، والبحث، والفهم، والتطور.

ولا يكفي أن نعلّم الإنسان كيف يقرأ العالم… بل علينا أن نمكّنه من أن يشارك في كتابته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *